كأنني لم أكن… وكأنك كنت
ربما لم يكن خطأك بل انعكاسك،
طفلٌ يلهو بظلّه على حافة الهاوية،
لا يدرك أن الظل أعمق منه.
تجربة عابرة لملء فجوة لا قاع لها،
أو محاولة لنبش حبٍ قديم باهت من قبره بأظافرك،
تبحث عنه في وجهي كأن وجهي تابوتٌ لم يُغلق بعد.
لكنك لن تجده، أعدك.
لن يلتقطه بصرك في عيوني،
تلك التي اتسعت أكثر مما ينبغي،
حتى صارت تحمل ما لم يُخلق ليقال.
ما ضاع منك لم يمرّ بي،
وما أضعته ليس عندي...
ليس عندي إلا هذا الفتات منّي،
وأنا بالكاد أتعرف إليه.
وأنتَ تبحث في فتاتي عما لم يتبقَّ لك،
أنسيتَ أن الجائع لا يُشبع جوعه بفتات جائع؟
كلانا فارغ بطريقةٍ مختلفة،
وفراغ في فراغ
لا يُولّد امتلاء،
يُولّد صدى.
صدى يشبه استراحة في العدم.
لا أعرف كيف أقدم أنصاف الأشياء،
جسدي لا يفهم القسمة،
وروحي تنزف كاملة أو لا تنزف البتة.
كنت سأعطيك أكثر مما أملك
لو كان في داخلي شيءٌ لم أقدمه بعد،
كنت سأفتح صدري كنافذةٍ بلا جدار،
وأدعك تأخذ ما تشاء،
حتى لو لم يبقَ لي شيء أعود إليه.
لكن عيناك تبحثان عن شبحٍ لا يسكنني،
عن امرأةٍ لا أعرف كيف أكونها،
عن شيءٍ لم يُخلق فيَّ ولن يُخلق،
ولو متُّ أحاول.
وأنا هنا،
لا شبحاً ولا امرأةً أخرى،
فقط هذا الذي أنا عليه،
كاملاً في عجزه،
تاماً في ما ينقصه.
لكن الكامل لا يُقنع من يبحث عن نقصٍ بعينه،
ومن جاء يحمل صورةً في رأسه
لن يرى ما أمامه،
مهما وقف طويلاً.
أنا الفراغ بينك وبينها،
الفاصل الذي لا يُرى،
الهوّة التي تبتلع الصوت قبل أن يصل.
أنا ما أحاول أن أكونه لك
وما أفشل في أن أفهمه منك.
ما نحن؟
سؤال يتآكل من الداخل.
من أنت؟
ولماذا تمرّ بي كأنك تعرف الطريق إلى الخراب فقط؟
تقول الكلمة كأنها شيءٌ يُستهلك،
سيجارة تُطفأ في منتصفها وتُنسى،
تذوب مع أول حلمٍ يسرقك
كأنني لم أكن إلا يقظةً عابرة.
لم تمسّني،
لكنك أحكمت قبضتك على شيءٍ لا اسم له فيّ،
شيءٍ لم يعرف حتى أنه موجود
حتى لمسته أنت من حيث لا أرى.
وتركتني هناك وحدي،
أتعرف عليك من آثارك.
لم تقصدني،
وهذا ما لا يُحتمل،
أن يكون الجرح أعمق من النية،
أن تكون قد هدمتني عابراً،
دون أن تلتفت،
دون أن تعرف أن ثمة ما انهار.
مررت بي كما يمر الضوء في زجاج،
لم يكسره،
لكنه غيّر كل ما وراءه.
أعرفك في الصباح حين يكون العالم خصماً لم تختره،
وأنت لم تقرر بعد إن كنت ستتحمل وجوده.
أعرفك في الصفحة الأخيرة،
كيف تُبطئ حروفك
لأن النهايات عندك خيانةٌ لا تُغتفر،
وكيف يكفي كتابٌ وسيجارة
لتمحوني من ذاكرتك كأنني لم أكن
إلا هامشاً بين سطرين.
أعرفك في اكتظاظ من يعرفونك
وعزلتك الكاملة بينهم،
وحيداً بعدد من حولك،
غائباً بمقدار من يراك.
ومع ذلك كنت دائماً في مقدمة أشيائي،
أولها،
أكثرها اكتمالاً.
صارت القهوة بعدك علقماً لا مرارةً،
والكتاب صفحاتٌ لا كلاماً،
كأن المعنى كان فيك أنت،
لا فيما كنت أقرأ.
كنت أعرف، في مكانٍ ما داخلي،
أنك لا تعود إليّ كما أدّعي لنفسي،
وأن ما بيننا يسير عكسك،
عكس كل ما تفعله.
ومع ذلك بقيت.
سأتركك هناك،
في تلك المسافة بين الحقيقة والوهم
بين ما كان وما ظننا أنه كان،
ولن أبحث عنك.
لا لأنني شُفيت،
بل لأن الجثث لا تنتظر عودة قاتلها.
وحين تنظر خلفك يوماً،
لن تجدني.
لن تجد إلا ظلّك،
ذلك الذي كنت تهرب منه
وتظن أنك تبحث عنّي.
لم أكن المرأة الخطأ،
ولا الحب الناقص.
كنت المرآة.
ولهذا لم تَرني قط،
كنت ترى خساراتك،
وأشباحك،
والأبواب التي أُغلقت في وجهك.
وحين انتهيت من النظر،
غادرت،
وتركتني أجمع شظايا امرأة
لم تكسرها يدٌ،
بل نظرة.
تعليقات
إرسال تعليق