في حضن الـ52 هرتز
أعبرُ نفسي كحوتٍ ضلَ طريقه في محيطٍ بلا مراسي، يسبحُ لا لأن النجاة تنتظره، بل لأن التوقف شكلٌ آخر للموت.
أتنفسُ وحدتي كترددٍ ملعون؛ أعيشُ الرغبةَ في الوصول والرغبةَ في الاختفاء في آن، وأهفو إلى أذنٍ لا ترتعب من صوتي.
رأسي محيط مُوسِمٌ بالصدى؛ سكانهُ أصواتٌ ترتطمُ بجدراني ثم تعودُ إلي جائعة،
تنهشُ صدري وتهمسُ بما تمنيتُ أن يلتقطه أحدٌ من جنسي.
أهربُ إلى صوتي فأسكر، ليس من أملٍ بل من دوار العزلة وهي تزهرُ داخلي بلونٍ أزرق يوشكُ أن يسوَدّ.
الواقعُ ماءٌ ثقيل، لا شيء يمسكُ بيدي؛ والعدمُ يمنحني رئتيه، فأغرق.
أعيشُ الصرخةَ أكثرَ من الحياة، وأتوشحُ بها كما يتوشحُ البحرُ بعتمتِه.
هنا، في حضنِ الـ52 هرتز، أُعيدُ كتابةَ وجودي على خط الصدى،
وأُبحرُ ككائنٍ لا يُرى،
كأن حقيقتي الوحيدة
أنني ما زلتُ أصرخ.
أقطعُ المسافات لا طلباً للوصول، بل هرباً من الفراغ الذي يركضُ خلفي بأسنانٍ باردة.
أمضي من شمالِ نفسي إلى جنوبها، ومن ظلالي إلى ظلالي،
ولا أجدُ سوى البحر ذاته
يُعيدني إلي.
الوحدة ليست غياب الآخرين،
بل أن تمتلكَ لغةً أعلى من قدرة العالم على السمع.
أن تتكلم،
فيدركوا أن ثمة صوت،
لكنهم يعجزون عن إدراكك أنت.
وفي قمة هذا المحيط،
أفهمُ أن المسافة ليست بين جسد وجسد،
بل بين تردد وتردّد،
بين روحٍ تصرخ
وعالم لا يملكُ أذناً كافية للحزن.
صرختُ طويلاً
حتى صار صوتي شكلاً من أشكال وجودي،
لكني، كلما ارتطمَ ندائي بالعتمة،
أدركتُ أن أكثرَ ما يُرعبني
ليس ألا يسمعني أحد،
بل أن أبقى أُغني
رغم معرفتي
أن لا أحد هناك.
تعليقات
إرسال تعليق