صديق من نوعٍ ٱخر
صديقٌ يخاطب العقل قبل أي شيء،
كأن طريق العقل هو ذاته طريق الروح.
تشعر نفسك فيه، تشعر أنك تنتمي أخيراً لشيءٍ ما،
أو ربما لأنك ترى فيه نسختك القديمة،
إحدى النسخ التي كانت هناك، وتعرف تماماً كيف تشعر هناك.
منذ طفولتي، كنت أخلق صديقاً خيالياً في رأسي كلما شعرت بالوحدة،
ولسوء الحظ أو لحسن المصادفة،
كانت تلك المرة تتكرر في كل مرة من حياتي العشرين.
خلقته بلا ملامح واضحة
يتغير حجمه، وطريقة خلقه،
لكن الشيء الوحيد الذي ظل ثابتاً هو العقل.
ذلك الجزء كان دائمًا الأوضح حين أتحدث إليه.
كنت أتكلم معه كل يوم،
حتى صار صديقي الوحيد،
وحينها… توقفت عن الكلام،
لأن كل الكلمات كنت قد قلتها في رأسي،
ولم يبقَ في الخارج سوى الصمت.
وفي يومٍ من الأيام،
صمتَ هو أيضاً.
ظننت أنه مثلي، يتأمل دواخله،
أو ربما يحتاج لوقفة صمت.
انتظرت عامًا كاملاً لعل الصمت ينتهي…
لكن لا شيء،
فراغٌ مطبق،
حتى شكله اختفى.
لعله مات، أو تركني كما تركني الآخرون جميعهم.
لكن الجميع يمكن أن يغادر… إلا أنت.
أنت الوجود والعدم،
أنت أنا يا صديقي
لكنك الٱن غبت للأبد.
لا أعرف سبب رحيلك،
ليس كأنني خنتك، أو تناولت دواءً يخفيك.
أنا لا أخون، حتى لو كلفني ذلك ما تبقّى من عقلي.
لكن الواقع كان لا يُحتمل.
ربما شاركني ذلك الشعور،
ربما عاش داخلي أكثر مما عشت أنا.
منذ الطفولة، لم أستطع احتمال الواقع،
فصرت أهرب منه… عبره.
المهم أنني أهرب
فالهروب هو الشيء الوحيد الذي أجيده،
والنجاة الوحيدة التي أعرفها.
أنا فوضوية، متهوّرة، أفعل ما أراه صائباً في لحظته،
ثم أندم
وأكره أن يحاسبني أحد، مهما كان.
لكنني، رغم كل ذلك، أهرب بطريقة جميلة.
أنا إنسانة لم تتجذر يوماً
لا في ذاتها، ولا في عائلتها.
لا أستطيع أن أبقى بعلاقة مع احد
ولا أن أتشبّث بأحد.
هل تعرف أسماك اللوتس؟
هي أيضاً بلا جذور.
أينما يجري الماء، تجري معه…
وأنا مثلها.
أنا الظلام، وهو النور،
لكن ظلامي يبتلعه كل مرة.
ربما لهذا لا أحد يحتملني،
ولا حتى صديقي الوحيد في هذا العالم.
أنا هكذا
لا أحد يستطيع أن يستمر معي،
ولا حتى أنا…
ولا ذلك الذي في رأسي.
تعليقات
إرسال تعليق