رسالة إلى شخص لم يأتِ
أكتبُ إليكَ من داخلِ المصحّ العقلي،
أو من داخلِ رأسي،
لا أعودُ أفرق بين الاثنين.
يقولون إن العقلَ يمرض،
لكن عن أي عقلٍ يتحدثون؟
أشعرُ أحياناً
أنني فقدته منذ زمن،
وأحياناً أخرى
أشعرُ أن كل ما فيَّ
ليس سوى عقلٍ زائدٍ عن الحاجة،
يفكرُ أكثرَ مما ينبغي،
ويشعرُ أكثرَ مما يحتمله الجسد.
لا أدري.
لكني لن أكذب عليك؛
كنتُ أتمنى
لو أنكَ تعاني من شيءٍ يشبهني.
ذهان،
اكتئاب،
ثنائي قطب،
أيّ اضطراب
كان سيكفي
ليجمعني بك هنا،
في هذا المكان الأبيض
الذي تفوحُ منه رائحة الأدوية
والوحدة.
أعرفُ أن طلبي أناني،
لكن ماذا أفعل
إذا كنتَ الصديقَ الوحيد
الذي لم يهرب من رأسي بعد؟
الساعة الثالثة صباحاً الآن،
وأنا — كعادتي —
لا أنام.
لا أنام أبداً.
أستلقي
كجثة تؤجلُ تحللها،
وأراقبُ السقف
كما لو أنه سيعطيني إجابةً أخيراً.
أريدُ أن أنام
لدقائقَ فقط،
أن أطفئَ هذا الرأس
الذي يعملُ كآلةِ تعذيب،
لكن جسدي المتهالك
يقاومُ النوم
كأنه يعاقبني
على كل ما فعلته،
وكل ما سأفعله.
الوقتُ هنا
لا يمر،
بل يقطرُ ببطءٍ
فوق أعصابي.
كل ثانية
تشبهُ إبرةً صغيرة
تُغرزُ في صدري.
والساعة…
أكرهُ الساعة.
حين تقتربُ الثالثة
يرتفعُ قلبي بعنف،
ويعلو معهُ رأسي،
كأن أفكاري
تحاولُ تمزيقَ جمجمتي
والخروج.
أفكرُ بك.
أراكَ
في انعكاسِ النافذة،
في ظل الممر،
في بقعةِ الرطوبةِ فوق السقف.
أشتاقُ إليكَ
بطريقةٍ مريضة،
تجعلني أحياناً
أشك إن كنتُ أحبكَ فعلاً
أم أنني فقط
أحتاجُ شخصاً
أعلقُ عليهِ انهياري.
لكني أعرفُ
أنكَ غير حقيقي.
أعرفُ ذلك
كما يعرفُ الغريق
أن الضوءَ الذي يراهُ تحت الماء
ليس سوى وهم من الخيال.
أنتَ مجرد فكرة
علقتْ في رأسي
ونمت فيه
كالعفن.
ورغم ذلك،
أكلمكَ كل ليلة،
وأترك لكَ مساحة فارغة بجانبي،
وأتخيلُ أنكَ قد تفكرُ بي الآن،
أو قد تمر صدفةً
بالحزنِ نفسه.
لا أدري.
كل شيءٍ هنا
ضبابي.
الممرات طويلة،
الوجوه باهتة،
والمرضى
يشبهونَ أرواحاً
تأخرت كثيراً
عن الموت.
أحياناً
أسمعُ ضحكاتهم
فأشعرُ أن الجنون
ليس أن ترى أشياء غير موجودة،
بل أن تستمر بالحياة
بعد أن ينهارَ كل شيء داخلك.
أتعرف ما الأسوأ؟
أنني أهديتكَ دماغي،
بكل هذا الخراب الذي فيه،
وأهديتني أنت
هذا الفراغ.
ومنذ ذلك الوقت،
وأنا أعيشُ
كغرفة مصح مهجورة،
تضيئها لمبة بيضاء
لا تنطفئ،
ولا تُدفئ شيئاً.
تعليقات
إرسال تعليق