مرآة بلا ملامح

كانوا يحملون جثثَ الرغبة في أفواههم،
يمشون بها كأنها صلاةٌ قديمة،
يتجمّلون بالحنين، لكن عيونهم تفضح الجوع.
كنتُ مرآةً تُعيد وجوههم بلا ملامح،
سطحًا يرتجف بكلّ من يقترب منه 
وكلّما انعكستُ، سقط شيءٌ منّي على الأرض وتكسّر.
لم أكن أخاف التكسّر،
كنتُ أخاف أن أنتهي فارغة،
أن أُستهلك حتى آخر انعكاس،
كشمعةٍ تُضيء الآخرين 
وتنسى شكلها في العتمة.

تقدمتُ نحو الضوء فظنوني لهباً،
ولم يدركوا أنّي رماد يحاول أن يتذكر كيف كان يحترق.

اقتربوا من دفئي
كما تقترب الأيدي المرتجفة من شتاءٍ طويل،
لكنّهم لم يريدوا النجاة،
أرادوا فقط
أن يأخذوا قطعةً من النار
ويمضو

كنتُ شعلةً من نور،
وحين انطفأتُ جلسوا يعدّون الرماد كأنه غنيمة.
أنا الغابةُ التي دخلوها بلا صلاة،
اقتطفوا أوراقها واحدةً واحدة،
حفروا أسماءهم على الجذوع،
وتركوا الشجر عاريًا أمام الفصول.
لم يسمعوا بكاء الجذور،
ولا ارتعاشة الأرض تحت الصراخ.

أنا لستُ نبيذةَ اللذّة،
بل نبيذةَ الحقيقة.
أحملُ قلبي في فمٍ من نار،
وأتكلّم كمن يفتح جرحاً بيديه،
أبصق الكذب كرمادٍ ثقيل،
وأراقب العالم
وهو يختنق
بما أشعله بنفسه.

تعليقات

المشاركات الشائعة