صوت عالق داخل جمجمة
أعاني من دهاليز تنمو داخلَ رأسي كأمعاءِ متاهةٍ حيّة،
كلما حاولتُ الخروجَ منها
ابتلعتني أكثر،
كأن عقلي حيوانٌ أسود
يتغذّى على محاولاتي للنجاة.
لا أشفى.
أعتقدُ أنني تجاوزتُ مرحلةَ الشفاء أصلاً،
وصرتُ شيئاً آخر؛
بقايا فتاة
تنسى شكلها تدريجياً
في مرآةِ الأيام.
لم أعد أؤمن بالحب،
أو بالله،
أو بالنجاة،
ولا بتلك الأكاذيب الصغيرة
التي تُبقي الناسَ أحياء.
فقدتُ إيماني بكل شيء،
حتى بنفسي،
كأنّ روحي سقطت مني ذاتَ ليلة
وإلى الأبد.
لم أعد أعرفُ ما أنا،
ولا من أينَ جئت،
ولا إلى أين أمضي.
ولا لماذا أشعرُ دائماً
أنني وضعتُ في الحياة بالخطأ،
كجملةٍ زائدة
في نص حزين.
أنظرُ إلى السماء طويلاً،
لكنها تبدو فارغة
كعينيْ ميّت.
واسعة بشكلٍ مُهين،
كأنها تحدّقُ بي
ولا تملكُ لي جواباً.
كنتُ أحتاجُ أحداً
يرشدني،
أباً،
أماً،
صديقاً،
أخاً،
إلهاً
أي شيء
يقولُ لي
إن هذا العطب
ليس أبدياً.
لكن لم يكن هناك شيء.
لا شيء البتّة.
كيف يمكنُ لفتاةٍ مثلي
أن تفقدَ إيمانها بنفسها؟
أيُّ انهيارٍ طويل
أوصلني إلى هنا؟
إلى هذا الجسد الذي يتحرّك
بينما شيءٌ فيه
ماتَ منذ سنوات؟
أخافُ كلَّ شيء،
حتى الضوء أحياناً
يبدو لي عدائياً.
لكن الأسوأ
أنني لا أفعلُ شيئاً حيال ذلك.
أقفُ في منتصفِ خوفي
كغزالٍ مصاب
ينتظرُ بأسنانٍ مرتجفة
أن يصلَ الذئب.
لم أعد أهتمُّ بمنطقِ الناس او بوجوههم،
وجوههم تبدو لي
كأقنعةٍ رطبة
تذوبُ فوق جماجمَ متعبة.
ولا أعرفُ إن كانت عزلتي
اختياراً
أم مرضاً
طالَ بقاؤهُ
حتى صار عضواً داخلياً.
هنا،
بعد سنِّ العاشرة،
بعد دموعِ القاصرات،
وكل شغب المراهقة،
وكل الخيبات التي مرّت فوقَ قلبي
كمسامير باردة،
أقفُ وأتخلّى عنّي اخيراً.
أتخلّى عن هذه الفتاة
التي ظلّت تحاول
أن تبدو حيّة.
عند الشباك
في منتصفِ النهار،
أتنفّسُ الهواءَ العَطِر،
تسقطُ القهوةُ من يدي
وتنسكبُ ببطء،
لكنّني لا أتحرّك.
أبقى صامتة
بطريقة غير بشريّة،
كأنني نباتٌ ميت
أو كأنّي شيءٌ
لا ينتمي تماماً
إلى الحياة.
تعليقات
إرسال تعليق