من الوجود إلى العدم



الولادة خطيئة أولى، صرخة عبثية قذفتني إلى زمنٍ لا أعرفه.
منذ اللحظة الأولى، كنتُ محكوماً بحزنٍ أزلي، كأن العالم وُلد معي ملعوناً.
كأن اللعنة لم تبدأ بي بل مرّت بي.

الموت ليس النهاية، بل امتداد لتلك البداية. ما بين الصرختين، نُحاصر بفراغٍ ملون بأوهام، حب، وطن، عائلة، دين، معتقد… ثم نكتشف أنها مجرد أقنعة رقيقة
لوجهٍ واحد لا يتغير وأن حتى الفرح نسخة مشوهة من الحزن.

كل ما أحبه قائم على ما أكرهه. الحب والكره توأمان سياميان لا ينفصلان، كلاهما يتغذى على الآخر.
وكل وجود هو عبء وجود آخر، حلقة في سلسلة لا أحد يعرف أولها، ولا يملك أن يقطعها.

لم أختر أن أكون هنا، لكن الزمن اختارني.
أعطاني عمراً ليأخذني به،
وأهداني الفقد ليُثبت أن كل شيء مؤقت، حتى الأشياء التي ظننتها تشبهني.
الحياة ليست دائرة، بل ارتداد مستمر لنقطة واحدة:
الصرخة.
نولد بها، ونموت عليها، وما بينهما نقضي العمر نحاول أن نخفض صوتها.

أحب
رائحة أمي،
الربيع،
وطناً يتسرّب من بين أصابعي
وأكره
أن كل هذا
يمر.
أن كل ما يُحب
مصيره
أن يُفقد.
في النهاية،
لا شيء يثبت
إلا هذا الثقل الخفي،
هذا الميل الدائم
نحو العدم
كأنني،
منذ البداية،
لم أكن أحاول أن أعيش،
بل
أن أعود.

لو لم أُولد؟ لعل العالم ما شعر بغيابي ولعلّي كنتُ أخف، وأصدق، وأقرب إلى العدم الذي أحنّ إليه.




تعليقات

المشاركات الشائعة